اسماعيل بن محمد القونوي

467

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

بأنه كان حق العبارة أن يقال ومن هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار إذ الاستواء يقتضي شيئين وهنا إذا كان سارب معطوفا على جزء الصلة أو الصفة يكون شخصا واحدا فلا يحسن استعمال السواء والاستواء وتوضيح الجواب أنه لائم أنه عطف على مستخف بل هو معطوف على من فيؤول الكلام إلى القول ومن هو سارب بالنهار فيتحقق الاستواء بين الأمرين والنكتة في اختيار ذلك الأسلوب أنه زيد في الأول هو ليدل على كمال العلم في الاختفاء وحذف المحذوف عن سارب لعدم الاحتياج إلى تلك الدلالة لظهوره وعدم اشتباه أحد فيه والسر في إيراد الصلتين في الأولين جملة فعلية وفي الآخرين جملة اسمية أيضا ذلك باعتبار الشق الأول إذ العلم يطالب الخفاء في محل خفاء في الليلة الظلماء بالنسبة إلينا في غاية الخفاء فأريد المبالغة في كمال علمه بذلك بإيراد الجملة الاسمية وأخبر بأنه والسارب بالنهار سيان في العلم بهما ثم سلم كونه معطوفا على مستخف ودفع المحذور بأن من في معنى الاثنين وفي المعنى متعدد الأول ناظر إلى واحد منهما والثاني أعني سارب ناظر إلى آخر منهما فيتحقق الاستواء بين الأمرين بلا خفاء ثم استشهد على ذلك بقول الفرزدق مشعر مشعور ذكر فيه ذئبا لفيه بفلاة فصحبه وإضافة ومنه : فقلت له لما تكثر ضاحكا * وقائم سيفي من يدي بمكان تعال فإن عاهدتني لا تخونني المستخفي والسارب وإلا فما في النظم بحسب الظاهر متناول لواحد متصف بالاستخفاء والسروب وهذا بحسب الظاهر غير مطابق للمعطوف عليه وهو قوله عز وعلا : سَواءٌ مِنْكُمْ [ الرعد : 10 ] من أسر القول ومن جهر به فإن معنى التسوية هناك متناول لشيئين وهنا لشيء واحد متصف بصفتين وتقرير الجواب أن فيه وجهين أحدهما أن قوله وسارب عطف على من هو مستخف لا على مستخف والثاني أنه عطف على مستخف إلا أن من في معنى الاثنين فعلى أي وجه حمل الكلام حصل معنى التطابق واستقام أما معنى التطابق على وجه الأول فظاهر لأن العطف يوجب المغايرة وبين المعطوف والمعطوف عليه فيفيد أن المتصف بالاستخفاء غير المتصف بالسروب فيكونان شيئين داخلين في حيز الاستواء دخول من أسر ومن جهر فيه وأما على الثاني فإن لفظ من إذا أريد به اثنان يكون عبارة عن شخصين أحدهما مستخف بالليل وثانيهما سارب بالنهار فيكون مآل المعنى من هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار فيكون معنى التسوية متناولا لشيئين كما في الجملة المعطوف عليها أقول هذا الوجه الثاني خفي الآخذ عن ظاهر الكلام فإن المتبادر عن حاق اللفظ حين عطف سارب على مستخف أن كلا من الاستخفاء والسروب صفة شيء واحد لا شيئين فإن المتبادر من قولك رأيت من قام وصلى أن القائم هو عين المصلي لا غيره ولا يستفاد منه أن القائم شخص والمصلي شخص آخر يحمل من على اثنين ومن جوز ذلك فقد ظلم الانصاف تكن مثلا من يأذيب يصطحبان وقيل البيت : فقلت له لما تكشر ضاحكا * وقائم سيفي من يدي بمكان تعالى فإن عاهدت أن لا تخونني * تكن مثل من يأذيب يصطحبان تكشر أي أبدى أسنانه يصطحبان ويأذيب معترض بين الموصول وصلته أقول ما في الآية ليس كما في البيت وقياسه عليه قياس مع الفارق .